رامي زهدي يكتب… من الطاقة إلى النفوذ
كيف تبني مصر شراكة إفريقية تعيد رسم خريطة المستقبل؟
رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية
لم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار بيئي أو قطاع اقتصادي واعد، بل أصبحت أحد أهم محددات القوة الشاملة للدول، وأداة رئيسية لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات الدولية، وإذا كانت القارة الإفريقية قد عانت لعقود طويلة من فجوة مزمنة في إنتاج الكهرباء وضعف البنية التحتية للطاقة، فإنها تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتحول من قارة تعاني عجز الطاقة إلى أحد أكبر مراكز إنتاج الطاقة النظيفة في العالم، مستندة إلى ما تمتلكه من موارد طبيعية استثنائية، تشمل أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، ومناطق واسعة تتمتع برياح مستقرة، إلى جانب إمكانات كبيرة في الطاقة الكهرومائية والحرارية الأرضية.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن إفريقيا تمتلك نحو 60% من أفضل الموارد الشمسية عالميا، بينما لا تزال مساهمتها في القدرات العالمية المركبة للطاقة الشمسية محدودة للغاية، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الإمكانات المتاحة والاستثمارات المنفذة.
وفي المقابل، يعيش ما يزيد على 600 مليون إفريقي دون كهرباء مستقرة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الطاقة ليس فقط قضية تنموية، وإنما ضرورة اقتصادية وأمنية واجتماعية تمس مستقبل القارة بأكملها.
في هذا السياق، تبرز مصر باعتبارها واحدة من أكثر الدول الإفريقية امتلاكا للمقومات التي تؤهلها لقيادة شراكة استراتيجية إفريقية في قطاع الطاقة المتجددة، فقد نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة بقطاع الكهرباء، وتحولت من دولة كانت تواجه عجزا في إنتاج الطاقة إلى دولة تمتلك فائضا يسمح بالتصدير والربط الكهربائي مع محيطها الإقليمي، كما قطعت شوطا مهما في التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأصبحت تمتلك قدرات مركبة من الطاقة المتجددة تتجاوز 9 جيجاوات، مع استهداف وصول مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030.
غير أن القيمة الحقيقية للدور المصري لا تكمن في حجم الإنتاج المحلي وحده، وإنما في القدرة على تحويل هذا النجاح إلى منصة إقليمية للتعاون مع الدول الإفريقية، عبر نقل الخبرات، وتدريب الكوادر، وتطوير شبكات الربط الكهربائي، وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، بما يسهم في بناء منظومة إفريقية أكثر تكاملا واستقلالا.
مستقبل العلاقات المصرية الإفريقية في ملف الطاقة ينبغي ألا يقتصر على تصدير الكهرباء أو تنفيذ عدد من المشروعات المشتركة، وإنما يجب أن يقوم على مفهوم الشراكة الإنتاجية، بحيث تصبح الشركات المصرية شريكا في إنشاء محطات الطاقة الشمسية والرياح، ومراكز التحكم، وشبكات النقل، ومشروعات الهيدروجين الأخضر، ومصانع مكونات الطاقة المتجددة داخل الدول الإفريقية، بما يعزز القيمة المضافة المحلية ويخلق فرص عمل حقيقية للقارة.
كما أن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل فرصة استثنائية لبناء سلاسل قيمة إفريقية متكاملة في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، بدءا من تصنيع الكابلات والمحولات والألواح الشمسية، مرورا بالبطاريات وأنظمة التخزين، وصولا إلى مكونات الهيدروجين الأخضر، بما يقلل الاعتماد على الواردات الخارجية ويعزز التكامل الصناعي بين الدول الإفريقية.
ولا يمكن إغفال أن المنافسة الدولية على إفريقيا في قطاع الطاقة أصبحت أكثر حدة من أي وقت مضى، فالصين توسع استثماراتها في البنية التحتية، والاتحاد الأوروبي يدفع باتجاه شراكات الهيدروجين الأخضر، والولايات المتحدة تطلق مبادرات لتمويل الطاقة النظيفة، بينما تتحرك قوى إقليمية أخرى لتعزيز حضورها الاقتصادي داخل القارة. وفي ظل هذه البيئة التنافسية، فإن امتلاك مصر لرؤية إفريقية متكاملة في مجال الطاقة المتجددة سيمنحها ميزة استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي إلى تعزيز مكانتها السياسية والدبلوماسية داخل القارة.
ومن هنا، فإن الربط الكهربائي بين مصر وعدد من الدول الإفريقية يجب أن ينظر إليه باعتباره مشروعا للأمن القومي والتنمية المشتركة، وليس مجرد مشروع فني لنقل الكهرباء. فكل خط ربط جديد يخلق شبكة مصالح متبادلة، ويعزز الاعتماد الاقتصادي المتبادل، ويفتح آفاقا جديدة للاستثمار والتجارة والتكامل الإقليمي.
وتظل قضية التمويل إحدى أكبر التحديات أمام التوسع في الطاقة المتجددة داخل إفريقيا، إذ تقدر احتياجات القارة بمئات المليارات من الدولارات خلال العقود المقبلة. ومن ثم، فإن تعزيز التعاون مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية، وعلى رأسها بنك التنمية الإفريقي والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص وصناديق الاستثمار الخضراء، يمثل ركيزة أساسية لتحويل الخطط إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
والشراكة المصرية الإفريقية في الطاقة المتجددة ليست مشروعا فنيا محدود الأثر، وإنما رؤية استراتيجية لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية داخل القارة على أسس أكثر استدامة وتوازنا، فالدول التي ستقود التحول الطاقوي في إفريقيا خلال العقدين المقبلين ستكون الأقدر على قيادة مسارات التنمية والاستثمار والتأثير السياسي، ومن هذا المنطلق، فإن مصر تمتلك فرصة تاريخية لتوظيف خبراتها وموقعها الجغرافي وبنيتها التحتية وعلاقاتها الإفريقية في بناء نموذج جديد للتعاون يقوم على تبادل المنافع ونقل المعرفة وتعظيم المصالح المشتركة، بعيدا عن أنماط الهيمنة أو المنافسة الصفرية.
إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكا للموارد الطبيعية فحسب، بل للأكثر قدرة على تحويل تلك الموارد إلى شراكات منتجة، وإلى شبكات مصالح ممتدة، وإلى قوة ناعمة تترجم إلى نفوذ اقتصادي وسياسي مستدام، وإذا أحسنت مصر استثمار هذه اللحظة التاريخية، فإن الطاقة المتجددة لن تصبح فقط أحد محركات التنمية الوطنية، بل ستتحول إلى أحد أهم جسور إعادة بناء الدور المصري في إفريقيا، وترسيخ شراكة استراتيجية تليق بتاريخ مصر ومكانتها، وتستجيب في الوقت ذاته لتطلعات القارة نحو مستقبل أكثر ازدهارا واستقلالا.