عاطف زايد يكتب.. الاتحاد العربي.. من الحلم العاطفي إلى الضرورة الاستراتيجية

عاطف زايد يكتب.. الاتحاد العربي.. من الحلم العاطفي إلى الضرورة الاستراتيجية

 
يطرح المفكر علي الشرفاء مشروع قومي .قد يكون طوق النجاة للأمة العربية .التي تعاني خطر الانقسام والخلافات منذ عقود...ويحمل المشروع شعلة امل نحو اتحاد عربي اقتصادي .علي غرار عشرات التكتلات الاقتصادية التي نشهدها في ربوع العالم...
لم يعد الحديث عن الاتحاد العربي مجرد شعار سياسي يرفع في المؤتمرات أو حلمًا راود أجيالًا من القوميين العرب، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات الدولية المتسارعة. فالعالم يتجه نحو التكتلات الكبرى، حيث تتنافس القوى الاقتصادية والسياسية والعلمية من خلال اتحادات إقليمية تمتلك أسواقًا واسعة وقدرات مشتركة، بينما يواجه العالم العربي خطر التشرذم وتضارب المصالح وتراجع التأثير في النظام الدولي.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الدولة العربية، مهما بلغت إمكاناتها، تواجه صعوبة في التعامل منفردة مع تحديات الأمن القومي، والأزمات الاقتصادية، والتطور التكنولوجي، وأمن الغذاء والمياه والطاقة. وفي المقابل، أثبتت تجارب مثل الاتحاد الأوروبي أن التكامل، رغم ما يعتريه من اختلافات وأزمات، يمنح الدول الأعضاء قوة تفاوضية واقتصادية أكبر من مجموع قدراتها الفردية.
إن العالم العربي يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يكون أحد أهم التكتلات الدولية. فهو يمتد على مساحة جغرافية استراتيجية تربط بين ثلاث قارات، ويشرف على أهم الممرات البحرية العالمية، ويضم ثروات هائلة من النفط والغاز والمعادن، وأراضي زراعية واسعة، وسوقًا يتجاوز أربعمائة مليون نسمة، فضلًا عن وحدة اللغة والتاريخ والروابط الثقافية التي تفتقدها تكتلات أخرى نجحت في بناء مؤسسات مشتركة.
لكن العقبة الأساسية لم تكن يومًا نقص الموارد، بل غياب الإرادة السياسية، وضعف المؤسسات العربية المشتركة، واستمرار الخلافات البينية، وتغليب المصالح الضيقة على المصالح الاستراتيجية للأمة. وقد أدى ذلك إلى إهدار فرص تاريخية للتكامل، في وقت كانت فيه القوى الإقليمية والدولية تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.
والاتحاد العربي المنشود لا يعني إلغاء سيادة الدول أو صهر هوياتها الوطنية، وإنما يعني بناء منظومة تعاون متدرج تبدأ بتكامل اقتصادي حقيقي، وتنسيق في مجالات التعليم والبحث العلمي، وتعاون في الصناعات الاستراتيجية، وربط شبكات النقل والطاقة، وإنشاء سوق عربية موحدة، وتطوير آليات فعالة لحماية الأمن القومي العربي.
كما أن بناء الإنسان العربي يجب أن يكون في قلب أي مشروع وحدوي. فلا اتحاد ينجح في ظل نظم تعليمية متباينة، أو إعلام يكرس الانقسام، أو ثقافة تعيد إنتاج الخلافات. إن الاستثمار في العقل العربي، وتشجيع البحث العلمي، وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون، يمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة.
إن القضية ليست استعادة شعارات الماضي، بل صناعة مستقبل جديد يقوم على المصالح المشتركة. فالعالم لا يحترم الدول الضعيفة المتفرقة، وإنما يحسب حساب الكيانات القادرة على توحيد رؤيتها واستثمار إمكاناتها.
إن الاتحاد العربي لم يعد ترفًا فكريًا ولا أمنية رومانسية، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا إذا أرادت الأمة أن تستعيد مكانتها في عالم لا يعترف إلا بالقوة والعلم والاقتصاد. ويبقى السؤال المطروح: هل تمتلك النخب العربية الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، أم سيظل مشروع الاتحاد مؤجلًا بينما تتقدم الأمم الأخرى بخطى متسارعة؟
إن التاريخ لا ينتظر المترددين، والأمم التي لا تبني وحدتها بإرادتها قد تجد نفسها يومًا مضطرة للتعامل مع خرائط يصنعها الآخرون.