أحمد شعبان محمد يكتب..قراءة في فيديو «الميزان المطلق… تفعيل القرآن»

الكاتب عضو مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام العالمية

أحمد شعبان محمد يكتب..قراءة في فيديو «الميزان المطلق… تفعيل القرآن»

يأتي فيديو «الميزان المطلق… تفعيل القرآن» للمفكر العربي الأستاذ على محمد الشرفاء الحمادى ليطرح واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في واقع الأمة الإسلامية: لماذا غاب أثر القرآن عن حياة المسلمين رغم حضوره الواسع في التلاوة والخطاب الديني؟

الفيديو لا يتعامل مع القرآن باعتباره كتابًا للبركة اللفظية أو التلاوة الشعائرية فقط، بل باعتباره “الميزان المطلق” الذي يفترض أن تُوزن به الأفكار والسلوكيات والعلاقات الإنسانية وأنظمة الحياة.

وهنا تكمن الفكرة المحورية التي يدور حولها الطرح:
أن أزمة المسلمين ليست في غياب القرآن كنص، وإنما في غياب “تفعيل القرآن” كمرجعية حاكمة للحياة.

فالقرآن – كما يوضح الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في الفيديو – لم يُنزل ليكون مجرد كتاب يُقرأ في المناسبات أو يُستشهد بآياته لتأكيد المواقف المسبقة، بل نزل ليكون ميزانًا يضبط حركة الإنسان والمجتمع، ويحدد معايير العدل والرحمة والحق والخير.

ومن هنا يطرح الفيديو تساؤلًا شديد الأهمية:
كيف يمكن لأمة تدّعي الإيمان بالقرآن أن تعيش كل هذا التمزق والتناقض والظلم والصراع؟

ويأتي الجواب ضمنيًا من خلال فكرة “تعطيل الميزان”.

فالإنسان حين يفقد الميزان يختلط عليه الحق بالباطل، وتتحول الأهواء والموروثات والانتماءات الضيقة إلى بدائل عن المرجعية الإلهية.

ولهذا يربط الفيديو بين تراجع الأمة وبين انتقال مركز الاحتكام من القرآن إلى المرجعيات البشرية المتعددة، سواء كانت مذهبية أو سياسية أو تاريخية، حتى أصبح كثير من الناس يقرأون القرآن بعين المذهب، بدل أن يراجعوا المذهب بميزان القرآن.

ويؤكد الطرح أن القرآن يحمل في داخله منظومة متكاملة للحياة:

- ميزانًا للعدل.
- ميزانًا للأخلاق.
- ميزانًا للعلاقات الإنسانية.
- ميزانًا للعمران.
- وميزانًا لضبط الاختلاف.

لكن هذا الميزان لا يعمل تلقائيًا، بل يحتاج إلى “تفعيل”، أي إلى تحويل القيم القرآنية إلى واقع عملي وسلوك يومي ومنهج تفكير.

ومن أهم النقاط التي يثيرها الفيديو أن التفعيل لا يعني ترديد الشعارات الدينية، بل إعادة بناء الوعي الإنساني على أساس القيم التي جاء بها القرآن.

فالرحمة ليست كلمة وعظية، بل نظام للعلاقات.
والعدل ليس خطبة، بل معيار للحكم والتعامل.
والحرية ليست شعارًا سياسيًا، بل حقًا أصيلًا للإنسان.
والسلام ليس حالة ضعف، بل نتيجة لقيام المجتمع على ميزان الحق.

كما يلفت الفيديو الانتباه إلى أن اختلال الموازين داخل الأمة أدى إلى تضخم الصراعات المذهبية والفكرية، لأن كل جماعة أصبحت تصنع “ميزانها الخاص”، بينما القرآن جاء بميزان واحد يفترض أن يحتكم إليه الجميع.

ومن هنا تظهر أهمية وصف القرآن بـ “الميزان المطلق”، أي المرجعية التي تعلو فوق الأهواء والانقسامات والانتماءات البشرية.

الفيديو كذلك يربط بين “تفعيل القرآن” وبين نهضة الإنسان حضاريًا، لأن القرآن – وفق هذا الطرح – لا يعادي العلم ولا الحياة، بل يدعو إلى التفكير والتدبر والنظر في الكون والعمل والعمران.

ولهذا فإن تعطيل القرآن لا يعني فقط تعطيل الأحكام الدينية، بل تعطيل طاقات الإنسان نفسه، وتحويل الدين من مشروع نهضة إلى حالة جدل وصراع واستهلاك للماضي.

ومن الزوايا المهمة في الفيديو أيضًا أنه يحاول إعادة تعريف التدين الحقيقي، بحيث لا يُقاس بكثرة الشعارات أو الطقوس وحدها، بل بمدى حضور القيم القرآنية في الواقع:

- هل تحقق العدل؟
- هل تُصان كرامة الإنسان؟
- هل تنتشر الرحمة؟
- هل يُحترم العقل؟
- هل يتحقق الأمن الاجتماعي؟

فهذه – وفق الرؤية المطروحة – هي العلامات الحقيقية لتفعيل القرآن.

وفي النهاية، يقدم الفيديو رسالة واضحة مفادها أن خلاص الأمة لن يكون بكثرة الجدل حول الدين، بل بعودة القرآن إلى موقع “الميزان الحاكم” الذي تُراجع على أساسه الأفكار والمذاهب والممارسات.

فحين يُفعّل القرآن بوصفه ميزانًا مطلقًا، يمكن أن تستعيد الأمة وحدتها الأخلاقية والإنسانية والحضارية، أما حين يبقى مجرد نص معزول عن الواقع، فإن التفرق والاضطراب سيظلان السمة الغالبة مهما ارتفعت الشعارات.