سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. *الإرهاب والفكر المتطرف .. من استهداف الإنسان إلى تفكيك المجتمعات*

لا يبدأ الإرهاب بالرصاصة الأولى، بل قد تبدأ جذوره حين تتحول الكراهية إلى قناعة، والاختلاف إلى عداوة، والإقصاء إلى منهج في التفكير والتعامل مع الآخرين. فالإرهاب ليس مجرد فعل عنيف ينتهي بسقوط الضحايا، وإنما ظاهرة خطيرة تمتد آثارها إلى بنية المجتمعات، وتهدد أمنها واستقرارها، وتضرب القيم الإنسانية التي يفترض أن تجمع الناس رغم اختلاف معتقداتهم وأفكارهم وهوياتهم.

إن خطورة الإرهاب تكمن في أنه يستهدف الإنسان في حياته وكرامته وأمنه، كما يستهدف حق المجتمعات في العيش المشترك. وعندما يصبح الآخر هدفاً بسبب دينه أو انتمائه أو أفكاره، فإننا نكون أمام أزمة تتجاوز حدود الجريمة الفردية، لتكشف عن خلل في منظومة التفكير التي تبرر العنف وتنزع عن الإنسان حقه في الاختلاف والحياة.

لا يمكن فهم الإرهاب بمعزل عن الأفكار التي تمنحه المبررات وتوفر له البيئة الحاضنة. فالفكر المتطرف يقوم، في أحد أخطر أشكاله، على احتكار الحقيقة، ورفض التنوع، وتصنيف الناس إلى فئات تستحق الحياة وأخرى يمكن استهدافها أو إقصاؤها. وحين تترافق هذه الأفكار مع التحريض والتعبئة والتبرير المنظم للعنف، يصبح خطرها أكثر اتساعاً.
ومع ذلك، ليس كل اختلاف فكري تطرفاً، ولا كل فكرة متشددة تؤدي بالضرورة إلى الإرهاب. فالمسألة تتعلق بمدى تحول الأفكار إلى تحريض على العنف أو تبرير له، وبالظروف التي تسمح لبعض الأفراد بالانتقال من الاعتقاد الإقصائي إلى ارتكاب الجرائم.
وتتداخل عوامل عديدة في انتشار التطرف، منها استغلال المظالم، والإقصاء الاجتماعي، وضعف الوعي النقدي، والخطابات التحريضية، واستغلال الأزمات والحروب لتغذية مشاعر الغضب والانتقام. ولا يمكن اختزال الإرهاب في سبب واحد، كما لا يجوز اتخاذ أي ظرف اجتماعي أو سياسي ذريعة لتبرير قتل الأبرياء أو الاعتداء على حقوقهم.

لا تتوقف آثار الإرهاب عند الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية، فتزرع الخوف، وتضعف الثقة، وتفتح المجال أمام الشك المتبادل والانقسام. وقد تتحول الجريمة التي تستهدف أفرادًا إلى مصدر قلق لجماعة بأكملها، خصوصاً عندما يكون الاستهداف مرتبطاً بالدين أو الهوية أو الانتماء الاجتماعي.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الإرهاب؛ إذ لا يكتفي المعتدي بإيذاء ضحاياه، بل قد يسعى فعله إلى إثارة الفتنة، ودفع المجتمع إلى ردود فعل غاضبة، وإضعاف الروابط التي تجمع أبناءه. ولذلك، فإن مواجهة الإرهاب تتطلب الحزم في تطبيق القانون، إلى جانب منع خطاب الكراهية من التحول إلى دائرة جديدة من الانتقام والتعميم والتمييز.
وتبرز في هذا السياق حادثة الهجوم على كنيسة القديس جورج للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، يوم 23 أكتوبر 2026، خلال مراسم جنازة، والتي أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة نحو أربعين آخرين، وفق التقارير المنشورة. 
إن هذه الحادثة، بوصفها نموذجاً للعنف الذي يستهدف مدنيين في محيط ديني، تذكرنا بأن الإرهاب لا يهدد حياة الضحايا وحدهم، بل يختبر قدرة المجتمع على حماية تنوعه وتماسكه. كما تؤكد أن حماية دور العبادة وحق الإنسان في ممارسة شعائره بأمان ليست مسؤولية جماعة دينية بعينها، بل مسؤولية الدولة والمجتمع بأكمله.
ولا ينبغي أن تتحول مثل هذه الجرائم إلى مناسبة لتعميم الاتهامات على دين أو جماعة؛ فالمحاسبة يجب أن تستند إلى الأدلة والقانون، وأن تبقى المسؤولية مرتبطة بمن ارتكب الجريمة أو ثبت تورطه فيها.

إن المواجهة الأمنية ضرورة لحماية المواطنين وملاحقة مرتكبي الجرائم، لكنها وحدها لا تكفي لبناء حماية مستدامة من التطرف. فالمعالجة الحقيقية تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين إنفاذ القانون، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، ونشر ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
وتتحمل المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية أساسية في هذه المواجهة. فالتعليم الذي يعزز التفكير النقدي يساعد الشباب على مقاومة التضليل، والإعلام المسؤول يحد من انتشار الشائعات والتحريض، والحوار المجتمعي يتيح معالجة الخلافات بعيداً عن العنف والإقصاء.
كما أن تمكين الشباب من المشاركة في الحياة العامة، وتوفير فرص التعليم والعمل، وتعزيز شعورهم بالانتماء والعدالة، كلها عناصر تساعد على بناء مجتمعات أكثر مناعة أمام محاولات الاستقطاب والتجنيد المتطرف.
ولا بد من التأكيد أن مواجهة الفكر المتطرف لا تعني مصادرة حرية الرأي أو فرض رؤية واحدة على الجميع، بل تعني حماية التعددية، ورفض التحريض على العنف، وضمان الحقوق المتساوية لكل المواطنين، مهما اختلفت أديانهم ومعتقداتهم.

إن الإرهاب، مهما اختلفت أشكاله ودوافعه، يترك وراءه الإنسان الموجوع والمجتمع المثقل بالخوف، ويهدد إمكانية بناء مستقبل مشترك. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على إدانة الجرائم بعد وقوعها، بل تمتد إلى معالجة أسباب التطرف، وحماية النسيج الاجتماعي، وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والتسامح.
ومن موقعنا كمدافعين عن السلام والحوار المجتمعي، نؤمن بأن قوة المجتمعات لا تقاس بقدرتها على مواجهة العنف وحده، بل أيضاً بقدرتها على منع الكراهية من التغلغل في عقول أبنائها، وعلى تحويل الاختلاف إلى فرصة للتفاهم بدلاً من أن يصبح سبباً للصراع.
إن حادثة الكرك ليست القضية كلها، بل نموذج يضعنا أمام مسؤولية أوسع: أن نحمي الإنسان من العنف، والمجتمع من الانقسام، والدين من توظيفه لتبرير الكراهية، والشباب من الوقوع في فخ الأفكار التي تصادر مستقبلهم ومستقبل أوطانهم.
فالإرهاب يستهدف الإنسان، والتطرف يهدم جسور الثقة، أما السلام فيبدأ حين نعترف بأن كرامة الإنسان حق لا يتجزأ، وأن الاختلاف لا يمنح أحداً الحق في إلغاء الآخر، وأن المجتمعات لا تبنى بالخوف والكراهية، بل بالعدالة والحوار واحترام الحياة.