بهجت العبيدي يكتب.. من الرمال إلى عنان السماء.. الإمارات التي رأيتها بعين الزائر وشهادة التاريخ
كانت هذه زيارتي الأولى لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولذلك وصلت إليها وفي ذهني كثير مما قرأت وسمعت عن هذه الدولة التي استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تصنع لنفسها مكانة استثنائية في العالم.
لكنني اكتشفت منذ اللحظة الأولى أن هناك أشياء لا يمكن أن تنقلها الكلمات، مهما بلغت دقتها، وأن بعض التجارب ينبغي أن تراها بعينيك حتى تدرك حجمها الحقيقي.
أقمت في أبو ظبي برعاية كريمة من الأستاذ الجليل والمكرم علي محمد الشرفاء الحمادي، ثم زرت دبي، فوجدت نفسي أمام تجربة حضارية تستحق أن يتوقف عندها الإنسان طويلا، لا باعتبارها مجرد تجربة عمرانية مذهلة، وإنما باعتبارها قصة إرادة وتخطيط واستمرار.
وأنا أنتقل بين أبو ظبي ودبي، كان السؤال الذي يلح عليّ:
كيف استطاع هذا المكان، الذي كان منذ عقود قليلة بيئة صحراوية قاسية، أن يصل إلى هذه الصورة التي نراها اليوم؟
والإجابة، في تقديري، لا تبدأ من الأبراج، ولا من الطرق، ولا من النفط، ولا من المال وحده.
إنها تبدأ من الإنسان الذي امتلك الرؤية، ثم عرف كيف يحول الرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى مسيرة لا تتوقف.
ومن هنا لا يمكن أن أتحدث عن الإمارات الحديثة دون أن أتوقف أمام شخصية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي أدرك مبكرا أن الثروة ليست غاية، وإنما وسيلة لبناء الإنسان والدولة.
لقد كان الشيخ زايد أحد الآباء المؤسسين للاتحاد، وارتبط اسمه ببناء البنية الأساسية وتطوير التعليم والصحة والإسكان والطرق والمؤسسات، وبناء دولة لم تكن موجودة بصورتها الاتحادية قبل عام 1971.
ولم يكن الشيخ زايد وحده في صناعة هذا الحلم؛ فقد التقت رؤيته برؤية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وكان لقاؤهما وإرادتهما المشتركة من اللبنات الأساسية التي مهدت لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة.
وهنا أدركت أن أعظم ما في التجربة الإماراتية ليس أنها بنت مدنا حديثة فوق الرمال، وإنما أنها بنت فكرة دولة قبل أن تبني الحجر.
فالنهضة لا تبدأ من الخرسانة.
النهضة تبدأ من الرؤية.
ثم تأتي الإدارة، والتخطيط، والمؤسسات، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على الاستمرار.
وهذا يقودني بالضرورة إلى رجل كان حضوره في هذه الزيارة بالنسبة إليّ أكبر بكثير من مجرد مضيف كريم.
إنه الأستاذ الجليل والمكرم علي محمد الشرفاء الحمادي.
فقد تولى الأستاذ الشرفاء الحمادي منصب مدير ديوان الشيخ زايد خلال الفترة من عام 1973 إلى عام 1995، أي أكثر من اثنين وعشرين عاما، وهي فترة شديدة الأهمية في تاريخ الإمارات؛ بدأت في السنوات الأولى للاتحاد، وامتدت خلال مرحلة ترسيخ مؤسسات الدولة وتوسيع مشروعها التنموي.
وهنا تصبح العلاقة بين الرجلين جزءًا من فهم قصة الإمارات نفسها.
فالأستاذ الشرفاء لم يكن بعيدا عن مرحلة التأسيس، وإنما كان قريبا من الشيخ زايد، وعاش معه أكثر من عقدين في قلب مرحلة تاريخية كانت فيها الدولة تنتقل من فكرة الاتحاد إلى بناء مؤسسات راسخة ومشروع تنموي واسع.
وهذا يمنح شهادته عن الشيخ زايد قيمة خاصة؛ فهو لم يتعرف إلى تجربة الرجل من الكتب، وإنما عاش جانبًا منها عن قرب، وشهد مواقفها وقراراتها، ثم حمل جانبا من ذاكرتها إلى الأجيال التالية.
ولذلك، حين جلست مع الأستاذ الشرفاء الحمادي، لم أكن أمام رجل يستعيد تاريخا بعيدا فحسب، وإنما أمام رجل يمثل، في تجربته الشخصية، جسرا بين زمن التأسيس وزمن الإمارات التي رأيتها اليوم.
وهذه النقطة تحديدا جعلتني أنظر إلى الإمارات بعين مختلفة.
فحين رأيت أبو ظبي، لم أرَ فقط عاصمة حديثة تتسع أمام المستقبل.
وحين رأيت دبي، لم أرَ فقط مدينة ترتفع أبراجها إلى السماء.
رأيت خلف هذا كله تاريخا بدأ برجال آمنوا بأن الدولة يمكن أن تكون أكبر من واقعها، وأن المستقبل لا يأتي وحده، وإنما تصنعه الرؤية والعمل.
ورأيت كذلك كيف انتقلت الإمارات من مرحلة بناء الأساس إلى مرحلة بناء المستقبل.
فالطرق والمطارات والموانئ والأبراج والمدن الذكية ليست سوى الوجه المرئي لقصة أعمق: قصة تخطيط طويل، ومؤسسات تعمل، وإرادة سياسية مستمرة، وأجيال تسلم الأمانة إلى أجيال.
وهنا تكمن، في رأيي، واحدة من أهم أسرار التجربة الإماراتية:
أنها لم تتعامل مع الإنجاز باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لإنجاز جديد.
لقد بدأت من الصحراء، لكنها لم تتوقف عند ما حققته في الجيل الأول.
استمرت المسيرة.
من البنية الأساسية إلى التكنولوجيا.
ومن بناء المدن إلى بناء اقتصاد متنوع.
ومن استثمار الثروة إلى استثمار المعرفة.
ومن التفكير في احتياجات الحاضر إلى التخطيط لعقود قادمة.
وهكذا تحولت الرمال التي كانت تبدو في الماضي عائقا إلى أرض تقف عليها واحدة من أكثر التجارب العمرانية والتنموية إثارة للانتباه في العالم.
وفي أبو ظبي تحديدا، بدا لي أن التخطيط ليس مجرد وسيلة لإدارة المدينة، وإنما جزء من فلسفة الدولة نفسها؛ فهناك رؤية للمستقبل، وخطط تمتد إلى عقود، وإصرار على أن يكون القادم أفضل من الحاضر.
وفي دبي رأيت وجهًا آخر لهذه الروح؛ مدينة قررت أن تجعل من موقعها الجغرافي منصة للعالم، وأن تحول التجارة والانفتاح والاستثمار والتكنولوجيا إلى أدوات لصناعة مستقبلها.
وبين أبو ظبي ودبي، وجدت اختلافا في الشخصية العمرانية والاقتصادية، لكنني وجدت خلفهما روحًا واحدة:
أن المستحيل ليس قدرًا.
وأن المكان الذي يبدأ من الرمال يستطيع، إذا امتلك الرؤية والإرادة، أن يصل إلى عنان السماء.
أما الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، فقد أصبح بالنسبة إليّ خلال هذه الزيارة جزءا من هذه الصورة.
لقد أحاطني بكرم لا أجد الكلمات الكافية لوصفه، وجعل إقامتي في أبو ظبي تجربة لن أنساها.
وكان كرمه "الشرفاوي" الذي لا مثيل له أكثر من ضيافة؛ كان تعبيرا عن شخصية إماراتية أصيلة تؤمن بأن إكرام الإنسان قيمة في ذاتها.
وهنا أدركت أن الدول لا تُبنى بالخرسانة وحدها.
الدول تُبنى أيضًا بأخلاق أبنائها، وبالوفاء، وبالكرم، وبالإخلاص، وبالشعور بالمسؤولية.
ومن هذه الزاوية، يصبح من الطبيعي أن أرى في الأستاذ الشرفاء الحمادي امتدادا لمرحلة كان فيها الشيخ زايد يؤسس دولة، وأن أرى في الإمارات التي شاهدتها اليوم امتدادًا لمسيرة لم تتوقف بعد رحيل المؤسسين.
فالمؤسسون وضعوا الأساس.
ومن جاء بعدهم حمل البناء إلى مراحل جديدة.
ومن سيأتي بعدهم سيحمل مسؤولية أن يضيف إليه.
وهكذا تستمر الدول العظيمة.
ليس بأن تظل واقفة عند أمجاد الماضي، وإنما بأن تجعل الماضي طاقة للمستقبل.
وقبيل مغادرتي الإمارات، وقفت أتأمل كل ما رأيته منذ وصولي.
تذكرت أن هذه الأرض كانت منذ عقود قليلة مختلفة تماما عما أراه الآن.
ثم نظرت إلى الطرق والمدن والمطارات والأبراج والتكنولوجيا والنظام والدقة في تفاصيل الحياة، وفكرت في المسافة الهائلة التي قطعتها الإمارات خلال زمن قصير نسبيا.
وفي تلك اللحظة وجدت نفسي أقول:
إن الإمارات، في كثير من مظاهر بنيتها التحتية وتقنيتها وتنظيمها، جعلتني أشعر بأنها تسبق أوروبا بمئة عام.
وأنا أعلم أن هذه ليست مقارنة علمية بين قارتين، وإنما هي دهشة زائر جاء من أوروبا، ورأى بعينيه ما صنعته الإمارات في أرض كانت الرمال عنوانها الأكبر.
لكنني لا أجد عبارة أخرى تختصر ذلك الشعور الذي انتابني وأنا أستعد للمغادرة.
لقد جئت إلى الإمارات زائرا للمرة الأولى.
وغادرتها وأنا أحمل معي سؤالا أكبر من الزيارة نفسها:
ماذا يستطيع الإنسان أن يصنع حين يمتلك الرؤية، ويؤمن بالمستقبل، ويخطط له، ويخلص في عمله؟
والإجابة رأيتها في الإمارات.
رأيتها في قصة الاتحاد.
رأيتها في أبو ظبي.
رأيتها في دبي.
رأيتها في استمرار المسيرة.
ورأيتها كذلك في رجال عاشوا مرحلة التأسيس، وكان لهم نصيب في صناعة تلك الرحلة، ومن بينهم الأستاذ الجليل والمكرم علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي أكرمني خلال زيارتي بما سيظل في ذاكرتي طويلا.
ولذلك، حين أقول إنني رأيت الإمارات تنتقل من الرمال إلى عنان السماء، فإنني لا أتحدث عن الأبراج وحدها.
أتحدث عن إرادة الإنسان.
عن التخطيط.
عن الرؤية.
عن دولة عرفت كيف تحول الثروة إلى بناء، والمكان إلى فرصة، والاتحاد إلى مشروع، والماضي إلى أساس للمستقبل.
وأغادر الإمارات وفي ذاكرتي صورة لا أظن أنها ستغيب:
رمال كانت هنا...
ورؤية بدأت من هناك...
ورجال آمنوا بأن المستحيل ليس قدرا...
ودولة ارتفعت من قلب الصحراء حتى عنان السماء.
تحية إلى الإمارات وشعبها الكريم.
وتحية إلى الآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا البناء.
وتحية إلى كل من واصل المسيرة من بعدهم.
وتحية خاصة إلى أستاذنا الجليل علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي لم يكن بالنسبة إليّ في هذه الزيارة مجرد مضيف كريم، وإنما كان أيضا نافذة إنسانية على زمن التأسيس، وجسرا بين الإمارات التي صنعها الآباء المؤسسون والإمارات التي رأيتها اليوم.
أما أنا، فسأعود إلى أوروبا وفي قلبي وذاكرتي انطباع لا ينسى:
لقد رأيت وطنا بدأ من الرمال، لكنه لم ينظر يوما إلى الرمال باعتبارها نهاية الطريق.
نظر إليها باعتبارها بداية الحلم.