أحمد شعبان محمد يكتب : ماذا بعد الأزمة؟ ودور مؤسسة رسالة السلام العالمية
في إطار رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية برئاسة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي
إذا كانت الأزمات الكبرى تكشف مواطن الخلل في حياة الأمم، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن فيما تسببه من آلام، بل فيما تتيحه من فرص للمراجعة والتصحيح.
واليوم، وبينما تمر الأمة الإسلامية بمرحلة فارقة من تاريخها، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر ومن خسر؟ بقدر ما ينبغي أن يكون:
ماذا سنفعل بعد أن تنقشع غبار الأزمة؟
هل سنعود إلى واقع التفرق ذاته، وإلى الخلافات التي استنزفت الأمة قرونًا طويلة؟ أم سنبدأ رحلة البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع المسلمين على كلمة سواء؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي الأزمة بينما تبقى أسباب الضعف التي كشفتها قائمة كما هي. فالأحداث قد تتغير، لكن الأمم التي لا تعالج جذور أزماتها تبقى معرضة لتكرارها بصورة أشد وأقسى.
ومن هنا يبرز الدور الفكري والثقافي الذي تضطلع به مؤسسة رسالة السلام العالمية، انطلاقًا من رؤيتها التي تؤكد أن مستقبل الأمة لا يمكن أن يُبنى على الانقسام، ولا على التعصب المذهبي، ولا على استدعاء صراعات الماضي، وإنما على العودة إلى القيم الجامعة التي جاء بها القرآن الكريم؛ قيم الرحمة والعدل والحرية والتعارف والتعاون بين الناس.
فالمؤسسة لا تنطلق من مشروع سياسي، ولا من انتماء مذهبي، وإنما من مشروع فكري يسعى إلى ترسيخ ثقافة السلام، وإحياء قيم الحوار، والدعوة إلى الاحتكام إلى كتاب الله بوصفه المرجعية الجامعة التي يمكن أن تلتقي عندها الأمة مهما اختلفت اجتهاداتها.
وتؤكد المؤسسة أن الأمة الإسلامية في حاجة اليوم إلى الانتقال من مرحلة الجدل حول الماضي إلى مرحلة التفكير في المستقبل، ومن استهلاك الطاقات في الخلافات إلى توظيفها في البناء والعلم والعمل والإصلاح.
كما ترى أن مواجهة تحديات العصر لا تكون بالشعارات، بل بإعادة بناء الوعي، وإحياء قيمة التفكير، واحترام العقل، وترسيخ مبدأ أن وحدة الأمة لا تعني إلغاء التنوع، وإنما تعني أن يكون ما يجمعها أكبر مما يفرقها.
ومن هنا فإن رسالة المؤسسة بعد هذه الأزمة تتمثل في الدعوة إلى مراجعة شاملة للأفكار التي غذّت الانقسام، وإلى نشر ثقافة قرآنية تجعل من الإنسان قيمة عليا، ومن السلام هدفًا، ومن العدل أساسًا للعمران، ومن العلم طريقًا للنهوض.
فالأمة الإسلامية لا ينقصها العدد، ولا الموارد، ولا الطاقات البشرية، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى مشروع وعي يعيد توجيه بوصلتها نحو المستقبل.
ولعل أعظم ما يمكن أن تقدمه مؤسسة رسالة السلام العالمية في هذه المرحلة هو الإسهام في بناء هذا الوعي، والدعوة إلى تجاوز أسباب الفرقة، والعمل على جمع الكلمة حول القيم القرآنية المشتركة، حتى تتحول الأمة من أمة تُدار بأحداث الآخرين إلى أمة تصنع مستقبلها بنفسها.
فما بعد الأزمة ليس نهاية طريق، بل بداية اختبار جديد: هل نتعلم من دروس التاريخ، أم نترك التاريخ يعيد دروسه القاسية معنا مرة أخرى؟