من أبوظبي إلى جاكرتا.. فلسفة السلام بين علي مصطفى يعقوب وعلي الشرفاء الحمادي

من أبوظبي إلى جاكرتا.. فلسفة السلام بين علي مصطفى يعقوب وعلي الشرفاء الحمادي

بقلم/ هشام النجار

تتأكد الحاجة في وقتنا الراهن إلى استحضار صوت العلماء الذين امتلكوا شجاعة إعادة قراءة الإسلام من داخله، بروح مقاصدية تعيد الاعتبار للإنسان باعتباره غاية الرسالة، في زمنٍ وواقع تتصاعد فيه النزاعات تحت لافتات دينية، وتُستدعى النصوص خارج سياقاتها لتبرير الصدام.

في هذا السياق، تكتسب زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى إندونيسيا وماليزيا قيمة معرفية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، لتتحول إلى لحظة التقاء بين مدرستين إصلاحيتين، تباعدتا جغرافيًا واقتربتا جوهريًا.

تؤسس هذه الدراسة لحوار عميق بين تجربتين؛ ألا وهما،تجربة العلامة الإندونيسي علي مصطفى يعقوب، الذي خاض معركة تفكيك التطرف من قلب المجتمع الإندونيسي، وتجربة المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، الذي أعاد بناء الوعي الديني انطلاقًا من القرآن كونَه المرجعية الوحيدة للهداية والتشريع.

تتكشف من خلال هذا الحوار، وحدة الرؤية حول السلام، والعلاقة مع الآخر، وفهم الجهاد، بالنظر إليها كقضايا مركزية في مشروع الإصلاح الديني المعاصر.

العلماء وصناعة الوعي.. إندونيسيا نموذجًا

تقدم إندونيسيا تجربة متميزة في حضور العلماء داخل المجال العام، حيث يمتد حضورهم وأدوارهم إلى التأثيرالمباشر في تشكيل الوعي الجمعي، وقد اتضح ذلك بوضوح في المكانة التي حازها العلماء عبر التاريخ، منذ لحظة مقاومة الاستعمار، حينما اكتسبت دعوات الجهاد ضد الاحتلال الهولندي زخمها الحقيقي بعد الفتوى التي أصدرها الشيخ هاشم أشعري رحمه الله عام 1945، وهو ما يعكس عمق التأثير الشعبي للعلماء.

في هذا السياق، يظهر اسم العلامة علي مصطفى يعقوب باعتباره أحد أبرز رموز الاعتدال في العصر الحديث، حيث شغل موقعًا علميًا حيث تمتع بمكانة علمية توازي كبار المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، فقد شغل منصبإمام أئمة إندونيسيا، وهو يوازي منصب شيخ الأزهر في مصر.

وقد كان لقائي به في إندونيسيا خلال مشاركتي في برنامج الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب بصحبة مفكرين وخبراء من الشرق الأوسط تجربة فارقة، امتدت على مدار أربع سنوات من الحوار مع قادة ورموز وعناصر الجماعات المتطرفةوالتكفيرية، بين 2012- 2016م، لتصويب مفاهيمهم.

جاء لقائي به قبل وفاته مباشرة، في لحظة إنسانية وعلمية عميقة، حيث جمعنا حوار ثري على مائدة الغداء، كشف عن عقلية منفتحة، وخبرة واسعة في فهم العالم.

تحدث يعقوب خلال اللقاء عن تجربته في مرافقة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وزوجته أثناء زيارتهما لمسجد الاستقلال، مستخلصًا من تلك التجربة درسًا بالغ الأهمية؛ أن الانغلاق يضر المسلمين قبل غيرهم، وأن المبادرة بالتواصل مع الشخصيات المؤثرة عالميًا تمثل ضرورة إستراتيجية، كان يرى أن كسب الحياد في القضايا الكبرى إن لم يتحقق التوافق الكامل، يعد إنجازًا في حد ذاته.

امتد لقائي بالبروفيسور يعقوب إلى إهدائي مجموعة من مؤلفاته، كان أبرزها كتابه "الإسلام بين الحرب والسلام"، وهو عمل يعكس عمق رؤيته ووضوح منهجه في معالجة واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر، وقد ترك هذا الإهداء أثرًا خاصًا، كونه صادرًا عن عالم جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الفقه العميق والوعي بالواقع.

تفكيك الجهاد.. من ساحة الحرب إلى فضاء السلام

ينطلق يعقوب من قاعدة منهجية دقيقة، مفادها أن فهم النصوص الدينية يظل رهينًا بسياقها، وأن الخلل الأكبر الذي وقعت فيه تيارات العنف يتمثل في تعميم نصوص نزلت في ظروف الحرب على مجمل العلاقات الإنسانية.

ويؤكد من خلال قراءته للنص القرآني أن القتال ارتبط بدوافع محددة، مثل رد العدوان، واستعادة الحقوق، ومواجهة نقض العهود، ويستشهد على ذلك بأحداث تاريخية، مثل معركة بدر التي ارتبطت باسترداد أموال المهاجرين، ومواجهة بني قريظة التي جاءت نتيجة نقض المعاهدة، وتحرك المسلمين إلى تبوك بعد ورود معلومات عن استعدادات هجومية.

هذا الطرح يعيد تعريف "الجهاد" باعتباره مفهومًا دفاعيًا أخلاقيًا، يهدف إلى حماية المجتمع، ويُخضع استخدام القوة لمحددات صارمة، كما يؤكد أن العلاقة الطبيعية بين المسلمين وغيرهم تقوم على السلام والتعاون، وهو ما تؤكده الوقائع التاريخية التي شهدت تعايشًا ممتدًا بين أتباع الديانات المختلفة داخل المجتمع الإسلامي.

وحدة الرسالة.. قراءة مشتركة في العلاقة بين الإسلام والآخر

عند الانتقال إلى رؤى وفكر المفكر العربي الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، تتضح رؤية أكثر شمولًا، تنطلق من اعتبار الرسالات السماوية تعبيرًا عن حقيقة واحدة، تهدف إلى هداية الإنسان وترسيخ قيم العدل والرحمة.

تتقاطع رؤية الأستاذ الشرفاء في هذا الإطار، مع طرح البروفيسور يعقوب في تأكيد أن العلاقة بين الإسلام والمسيحية، وسائر الرسالات تُبنى على على المشتركالإنساني.

يُعيد الأستاذ الشرفاء قراءة تقديم الإسلام باعتباره منظومة قيمية قادرة على الإسهام في الحضارة الإنسانية، مع رفض الشعور بالدونية أمام التقدم الأوروبي، والتركيز على استعادة الثقة بالذات الحضارية، وهو ما يتماهى مع طرح البروفيسور يعقوب.

يُعيد الشرفاء قراءة النص القرآني ليبرز البعد الإنساني العالمي للرسالة، داعيًا إلى تجاوز القراءات التراثية التي كرّست الانقسام.

رسالة السلام كمشروع عابر للحدود

تتجسد هذه الرؤى في الواقع من خلال الجهود التي تبذلها مؤسسة رسالة السلام العالمية، والتي تعمل على تحويل الفكر إلى ممارسة، عبر تنظيم الندوات، وبناء الشراكات الأكاديمية، والانفتاح على التجارب الدولية.

وتأتي زيارة الوفد إلى إندونيسيا وماليزيا برئاسة المدير العام للمؤسسة الأستاذ مجدي طنطاوي، وتحت رعاية المفكر الكبير علي الشرفاء الحمادي، لتؤكد أن مشروع رسالة السلام تحول إلى مسار عملي يسعى إلى بناء شبكة عالمية من الحوار والتفاهم.

في هذا السياق، تكتسب استعادة فكر علي مصطفى يعقوب أهمية خاصة، كونه أحد النماذج التي نجحت في تقديم قراءة متوازنة للإسلام، تجمع بين الالتزام بالنص والقراءة التجديدية الإصلاحية والانفتاح على العالم.

هكذا نستنتج أن هناك تلاقٍ عميق بين مدرستين فكريتين نشأتا في بيئتين مختلفتين، غير أنهما التقتا عند جوهر الرسالة الإلهية (السلام، والعدل، وكرامة الإنسان).

يفتح استحضار تجربة البروفيسور علي مصطفى يعقوب، وربطها بمشروع المفكر علي الشرفاء الحمادي، فضاءًا جديدًا لإعادة بناء الخطاب الديني على أسس معرفية وإنسانية متينة؛ فضاءًا يتجاوز حدود الجغرافيا، ويؤسس لوعي عالمي جديد، يدرك أن الدين في جوهره رسالة حياة، وأن السلام هو لغته الأولى.

وفي ظل عالم يبحث عن مخرج من دوائر الصراع، تبدو هذه الرؤى أقرب إلى أن تكون ضرورة تاريخية، تفرض نفسها باعتبارها الطريق نحو مستقبل أكثر إنسانية واتزانًا.