اللواء عماد اليماني يكتب.. مصر ودورها المحوري في حماية الاستقرار

اللواء عماد اليماني يكتب.. مصر ودورها المحوري في حماية الاستقرار

تمر منطقة الشرق الأوسط بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ عقود، في ظل تداخل الصراعات المسلحة مع التحولات الجيوسياسية، وتصاعد أدوار القوى الإقليمية والدولية، واتساع نطاق التهديدات التي لم تعد تقف عند الحدود التقليدية للدول. فلم يعد الأمن الإقليمي مرتبطًا فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، وإنما أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية والمائية والطاقة والملاحة.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز مصر باعتبارها أحد أهم الفاعلين القادرين على التأثير في معادلة الأمن الإقليمي؛ ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا لما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وحضاري، وما راكمته عبر عقود من الخبرة في التعامل مع أزمات المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن الأمن القومي المصري لا يمكن فصله عن محيطه العربي والإفريقي والمتوسطي، وأن استقرار دول الجوار يمثل جزءًا أصيلًا من حماية المصالح المصرية.

الأمن الإقليمي.. مفهوم يتجاوز الحدود
لم يعد مفهوم الأمن في المنطقة قابلًا للاختزال في حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة؛ فالدول العربية تواجه اليوم طيفًا واسعًا من التحديات، يبدأ من الحروب الأهلية والجماعات المسلحة والإرهاب، ويمتد إلى أزمات الطاقة والغذاء والمياه والهجرة غير الشرعية واضطراب حركة التجارة والملاحة، ومن هنا، فإن التعامل مع الأمن الإقليمي يحتاج إلى رؤية شاملة، تنظر إلى المنطقة باعتبارها شبكة مترابطة من المصالح والمخاطر.
ما يحدث في ليبيا ينعكس على أمن مصر في اتجاهها الغربي، وما يجري في السودان يرتبط مباشرة بأمنها الجنوبي، بينما تظل القضية الفلسطينية في قلب حسابات الأمن المصري في الاتجاه الشرقي، فضلًا عن أهمية البحر الأحمر والقرن الأفريقي بالنسبة إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية.

 مصر.. من حماية الحدود إلى صناعة الاستقرار
تتمثل إحدى أهم خصائص الدور المصري في أن القاهرة لا تنظر إلى الأمن باعتباره عملية عسكرية فقط، وإنما باعتباره عملية سياسية في المقام الأول، فالقوة العسكرية تظل عنصرًا أساسيًا للردع وحماية المصالح، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الاستقرار طويل الأمد. ولذلك، توازي مصر بين امتلاك أدوات القوة والقدرة على استخدامها بحسابات دقيقة، وبين العمل السياسي والدبلوماسي والوساطة بين الأطراف المتنازعة.
وهذا ما يفسر استمرار الحضور المصري في ملفات فلسطين وليبيا والسودان وسوريا، إلى جانب اهتمامها بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ فقوة مصر لا ترتبط فقط بحجم قدراتها، وإنما أيضًا بقدرتها على توظيف هذه القدرات في إطار سياسة متوازنة، تحافظ على استقلال القرار الوطني، وتتجنب الانخراط في محاور مغلقة، أو صراعات لا تخدم المصالح المصرية والعربية. 
إذا كان هناك درس أساسي يمكن استخلاصه من أزمات المنطقة خلال السنوات الماضية، فهو أن تفكك الدولة يمثل البوابة الأوسع للفوضى؛ فحين تضعف المؤسسات الرسمية، تظهر الميليشيات والتنظيمات المسلحة، وتتدخل القوى الخارجية، وتتراجع قدرة الدولة على السيطرة على حدودها ومواردها. ولهذا فإن حماية الدولة الوطنية ينبغي أن تكون هدفًا مركزيًا لأي منظومة أمن إقليمي عربية. ولا يعني ذلك الدفاع عن الأوضاع القائمة دون إصلاح، وإنما يعني أن الإصلاح السياسي والاقتصادي يجب أن يتم داخل إطار الدولة ومؤسساتها، وليس من خلال إسقاط مؤسسات الدولة أو استبدال تشكيلات مسلحة بها.